مرکز وثائق الثورة الإسلامیة//بعدما قدم ابن تیمیة تعریفا للسلفیة، اعتبر من سار على نهجه من تلامذته كـ ابن قیم الجوزیة و تلمیذه ابن رجب الحنبلی، من السلفیین. فمثل هذا التاریخ لتیار السلفیة فی المذهب الحنبلی، أدى إلى اعتبار بعض أصحاب الرأی السلفیة كتیار خرج من جوف الحنبلیة، غیر ان اعتماد السلفیین على عدم الالتزام بمذهب دون غیره، مهد الأرضیة إلى انضمام علماء من المذاهب الأخرى. منهم و كما نعرف كان لقد انضم ابن كثیر (متوفى عام 744) إلى هذا التیار و هو عالم شافعی من دمشق.

على هذا كان شعار السلفیین هو الإسلام دون مذاهب، كی یبحثوا عن سبیل للعودة إلى وحدة الأمة الواحدة الإسلامیة، بواسطة الانضمام إلى تیار السلفیة و التخلص من التعدد الطائفی، و بهذا یجد الإسلام مساره المتقدم و المتطور و یتخلص من الانحطاط و التخلف. هذا الأمر یتضح جلیا إذا ما القینا نظرة على التاریخ بان ذروة تكوین تیارات السلفیة و الترحیب الشعبی بها، سواء فی عهد ابن تیمیة (سقوط حكم العباسیین على ید المغول) أو فی القرن الثانی عشر (الاستعمار الهندی و انهیار حكومة إیران و العثمانیة)، حدث فی فترة كانت تلك المخاطر قد برزت نفسها أكثر.

لكن عملیا لم یأت رفض المذاهب و تبلیغ انفتاح باب الاجتهاد (غنی عن القول، بالنسبة لأولئك الذین كانوا ملتزمین بهذا الرفض)،  بإنجازات فی مجال الوحدة الإسلامیة، إلا قلیلا و حتى أدت فی الكثیر من الحالات نتیجة الفكر السلفی، إلى تفرق شمل الأمة الإسلامیة، بسبب الطابع التكفیری لهم؛ على هذا، یمكن ملاحظة تیارات من الجناحین فی السلفیة، فمن جهة كان تنظیم إخوان المسلمین الذی یؤمن بالوحدة الإسلامیة، كثیرا، و أسس دار التقریب فی مصر بغیة الوصول إلى هذا الهدف، و من جهة أخرى كانت تقف التیارات السلفیة التكفیریة التی كانت السبب وراء تفرق شمل الأمة الإسلامیة.

 

محمد بن عبد الوهاب و تكوین الوهابیة

دخل تیار السلفیة فی القرن الثانی عشر فی مرحلة جدیدة و تعرض مفهومه التاریخی للتغییر مرة أخرى، فی أواخر القرن الثانی، ظهرت عدة تیارات إلى جانب الآخر و كانت تشكل مدلولات السلفیة؛ الأولى تیار ظهر فی شبه القارة الهندیة بزعامة شاه ولی الله دهلوی (1110-1176) ، مع ان هذا التیار كان یشترك مع ابن تیمیة فی أصل العودة إلى تعالیم السلف، إلا انه حافظ على التصوف و الطریقة النقشبندیة ، وبهذا حافظ على ما یفصله عن ابن تیمیة.

فی المدینة كان صالح بن محمد الفلانی (1166-1218) الفقیه والمحدث السودانی، ملتزما بالمذهب المالكی، و كانت تتجلى نزعته السلفیة فی الاحتذاء بسنة النبی (صلى الله علیه و آله و سلم) و إبطال أقوال المجتهدین فی إطار المعارضة مع النصوص و لم یظهر انتماء بمعنى السلف و كما یبدو من آثاره، و كان یبذل جل مساعیه فی الإحیاء و إعادة قراءة الحدیث النبوی.

فی مثل هذه الأجواء، استطاع تیار آخر بزعامة محمد بن عبد الوهاب (1115-1206) فی السعودیة و بالتمتع بدعم محمد بن سعود، من توسیع نطاق دعوته فی مختلف مناطق شبه الجزیرة العربیة. ان تعالیم ابن عبد الوهاب، لم تكن تبتنی على أفكار ابن تیمیة بل كانت أكثر تطرفا منه. إذا ما قمنا بإخضاع أفكار ابن عبد الوهاب إلى الدراسة فیمكن القول بان كان كابن تیمیة یحاول ان یجمع بین إعادة قراءة المذهب و النشاط السیاسی – الاجتماعی، كما یلی، تحت عنوان السلفیة:

أولا انه تطرق إلى فكرة التوحید فی جانب إصلاح المذهب نظریا، و كان یعتبر وفقا لهذا، الكثیر من التقالید المألوفة عند الفرق الإسلامیة المختلفة، مدلولا للشرك، و كان یعتبر ترك كافة تلك التقالید و العادات، ضرورة التوحید و على هذا كان یسمی أصحابه أهل التوحید أو الموحدین؛ ثانیا، فی الجانب العملی، انه كان یؤكد على فكرة الأمر بالمعروف و النهی عن المنكر، جاعلا إیاها أساسا لإنشاء تیار سیاسی عسكری ناشط و شدد على وجوبها، وكون منظمة أطلق علیها "إخوان من أطاع الله".

ان نظرة ابن عبد الوهاب فی مجال التوحید و التنمیة فی معنى العبادة، جعلت الكثیر من المسلمین یتعرضون إلى توجیه تهمة الشرك و التكفیر، بینما كان جانب آخر من السلفیین یعارضون هذه النظرة إلى الأمة الإسلامیة، معارضة جوهریة.

لهذا السبب یعتبر بعض المفكرین بانه من الخطأ اعتبار تیار الوهابیة، بالسلفی و انه تراجع عن المعنى المصطلحی لابن تیمیة، ذلك لأنه فی عقائد السلف (القرون الثلاثة الأولى) لا یوجد تكفیر المعارضین بهذه الشدة و الحدة. و حتى ابن تیمیة نفسه لم یتطرق إلى تكفیر المسلمین. على هذا من الضروری بان ننظر إلى الفوارق المعنائیة للسلف و علینا ان نعرف بأننا نرید أی معنى عند الحدیث عن السلف و لا یمكن تجمیع كافة الجماعات تحت مظلة معنى موحد من السلفیة و تصنیفها.

 

الوهابیة المذهبیة الجدیدة أو تجدید الدعوة الإسلامیة

ان شعار العودة إلى أقوال السلف و رفض التعصب فی التعامل مع المذاهب الموجودة، كان قد ترافق مع وضع سنة التقلید جانبا عند أهل السنة و إحیاء الاجتهاد، إذ كان یعتبر ابن تیمیة و ابن عبد الوهاب رمزا لها عند السلفیة. أطلق ابن عبد الوهاب على فكرته "العقیدة السلفیة" و نظرا إلى معارضته للمذهب التی كانت تتواجد فی فكرته، فانه لم یكن یرغب بإطلاق اسم المذهب علیه غیر ان مأسسة فكرته فی المملكة العربیة و بعض المناطق التابعة و انتهاء مهمة الجهاد التی كانت یتبعها هذا التیار، جعل هذه الفكرة عملیا فی إطار مذهب، أطلق علیها المعارضون لها الوهابیة؛ بینما كان أنصاره و فضلا عن أسماء كـ أهل التوحید و الإخوان، التی كانوا أنفسهم یطلقونها علیهم، یفضلون بان یقدموا طریقهم الفكری الاجتماعی بأسماء كـ "الدعوة السلفیة" و فی بعض الأحیان "الحركة السلفیة" و التأكید على الهویة "السلفیة" بدلا من الانتساب إلى شخص ما.

ان الوهابیین كانوا یرفضون استخدام هذا اللفظ و كانوا یحاولون التأكید على ان عبد الوهاب هو من الداعین إلى فكرة السلف و من المجددین لهذه الدعوة و لیس مؤسسا لها، و كانوا یحاولون رسم الفكرة منذ العصر الأول وصولا إلى عصرهم بواسطة تحدید حلقتین و هما احمد بن حنبل و ابن تیمیة. غیر ان تطرف أتباع ابن عبد الوهاب و تعصبهم الشدید، على شخصه و عدم وضع آثاره على محك النقد و الدراسة، أدت إلى تجاوز تعالیمه الأخرى مرحلة الدعوة و تكوین مذهب حدیث و بعبارة أخرى، فان أولئك الذین كانوا یدعون رفض المذاهب و إحیاء الاجتهاد و كانوا یتهمون المعارضین بالتقلید و التعصب، كانوا أنفسهم و بواسطة تعصبهم على أفكار عبد الوهاب، یقعون فی التقلید و التعصب و التطرف عند توجیه النقد للمعارضین.

 

الانحراف عن مدلولات البدعة و تكفیر المسلمین

تأتی من المكونات المشتركة بین المنضمین إلى التیارات السلفیة، مكافحتهم البدعة و إزالة الخرافة من الدین كی یرجع الإسلام إلى حیویته السابقة كما كان علیها. ان أساس مواجهة البدعة، لا یحظى بالتأكید عند السلفیة فحسب بل تشدد علیه كافة التیارات الإسلامیة، و ان ما أدى إلى افتراق المذاهب فی هذا المجال، هو تحدید مدلولات البدعة. ان معارضة البدع فی الدین، تتشدد فی أفكار ابن تیمیة و ألقت بظلالها على كافة تعالیم ابن عبد الوهاب.

ان معارضة الوهابیة مع بعض الأفكار الدینیة على المستوى الشامل، تأسست وفقا لهذا الأصل المعارض للبدعة؛ على سبیل المثال انهم یعتبرون علم الكلام فی شمولیته، بدعة نظریة أو یشنون هجومهم على التصوف كبدعة، بینما یعتبر نصف المسلمین فی العالم، أصحاب نزعة صوفیة.

 

تطرف الوهابیین و رد العلماء

ان تطرف ابن عبد الوهاب فی المعتقدات، لم یستهدف الفرق غیر السنیة و بالتحدید الشیعة بل انه یعارض مختلف المذاهب من أهل السنة، و حتى عارض التیارات المنافسة السلفیة. ان أخیه سلیمان بن عبد الوهاب قام بنقد أفكار محمد فی رسالته حول التوحید الشرك و اعتبر ان تكفیر الفرق الإسلامیة یعارض مذهب السلف بصراحة؛ انه اعتبر ادعاء السلفیة على ید أخیه لیس إلا واهیا و ان أفكاره بدعة. كان الفلانی فی المدینة، یعارض أتباع عبد الوهاب و یرفض أفكارهم رفضا باتا؛ فی هذا المجال، فانه كتب عدة رسائل لعلماء مختلف المذاهب ردا على ابن عبد الوهاب فی كتاب مدون. كما كتبت التیارات السلفیة فی شبه القارة بتأثیر من شاه ولی الله دهلوی كتبا ردا على أفكار الوهابیة.

 

الوهابیة و الاستعمار

لم تدوم الموجة الأولى من حكومة الوهابیة و آل سعود طویلا و بعد وصول أخبار شبه الجزیرة إلى الحكومة العثمانیة و إیران، اشتدت وتیرة الهجمات علیها، فتم القضاء علیهم بواسطة هجوم الباشا المصری نیابة عن العثمانیة. لكن بعد مرور مئة عام هیمنوا على الریاض بواسطة عبد العزیز بن عبد الرحمن بن فیصل بمساعدة الاستعمار البریطانی و بدأت فترة حدیثة من حكم آل سعود عام 1902 و استمرت إلى یومنا هذا، ان البریطانیین شاهدوا ثغرات مواءمة فی فكرة الوهابیین لبث التفرق فی شمل المسلمین و حاولوا تضعیف العالم الإسلامی، بالاستفادة من تلك الفجوات و بواسطة دعمهم لابن سعود، قاموا بترسیخ أسس سلطته كی یقضوا على حكم العثمانیین. ان بریطانیا و بسبب تغییر سیاساتها إلى الاستعمار الحدیث، و بدلا من التواجد المباشر، كانت تبحث عن أصدقاء و حلفاء، بإمكانهم توفیر مصالحها.

لهذا السبب، بواسطة إغراء و تهدید الشیوخ و رؤساء الدول و القبائل فی المنطقة، كانت تبذل كل ما بوسعها للهیمنة على منطقة الشرق الأوسط و الدول العربیة المطلة على الخلیج الفارسی، بشكل غیر مرئی. مع هذا، كان خطر مهم ناجم عن نفوذ بریطانیا و سیطرتها على العالم الإسلامی وبالتحدید العالم السنی، یلوح فی الأفق و هو الإمبراطوریة العثمانیة. كانت بریطانیا تبحث عن توجیه آخر الضربات إلى هذه الإمبراطوریة بمساعدة حلفاءها فی المنطقة. ان الإمبراطوریة العثمانیة، و مع انها كانت تقضی آخر أنفاسها، إلا انها كانت فی العالم السنی تعتبر رمزا للخلافة التی تمثل النموذج المثالی للحكم فی نظرة أهل السنة. هذا و لو القینا نظرة على تاریخ التعامل بین بریطانیا و آل سعود، یتحدد حینئذ بانه كلما شعرت بریطانیا بالخطر بانه قد تتحول حكومة آل سعود إلى قوة بدیلة للعثمانیة، كلما كانت تقوم بتضعیفها منها یمكن الإشارة إلى صراعات جماعة إخوان التوحید مع آل سعود.

 

آل سعود و الوهابیة و المملكة العربیة السعودیة

منذ بدایة تكوین حكومة الوهابیة، حدث تقسیم بین محمد بن عبد الوهاب و محمد بن سعود، بموجبه یصبح آل الشیخ هم الذین یقومون بإدارة الشؤون الدینیة و فی یومنا هذا یتولون آل الشیخ – وهم أحفاد محمد بن عبد الوهاب-الشؤون الدینیة، و تسلم السیاسة و إدارة البلاد إلى آل سعود. على هذا ان الوهابیة لها فرعین، سارا إلى جانب البعض منذ البدایة.

ان تیار الملكیة (الوهابیة الملكیة) یشكل أحد أجزاء نظام الوهابیة. ان هذا التیار یمثل أساس الدیانة فی المملكة العربیة. و انه فی الحقیقة یؤدی دور إضفاء الشرعیة على آل سعود. بعبارة أخرى بما ان آل سعود تعتبر نفسها دولة دینیة، فأنها بحاجة إلى إضفاء الشرعیة على نشاطاتها و تتم هذه العملیة على ید تیار الملكیة. على سبیل المثال فی حرب الخلیج الفارسی، استفادت الولایات المتحدة من الأراضی السعودیة، لشن الهجوم على العراق، بینما عارض الكثیر من علماء السعودیة (السلفیون الجدد) هذا العمل، لكن أجاز علماء الملكیة هذا الأمر، و أصدر الحكومة السعودیة الإذن للاستفادة من أراضیها لشن الهجوم على الأراضی العراقیة. تعتبر هیئة كبار العلماء أهم مؤسسة دینیة فی السعودیة. ان هؤلاء العلماء هم من یسیطرون على هذه المجموعة و تحولت إلى نظام لإضفاء الشرعیة لممارسات الحكومة. على هذا، ان الفرعین مضطران للحفاظ على الآخر. فان آل سعود و مع انها لا تقبل بآل الشیخ إلا انها تقوم بالحفاظ علیهم و نفس الحدیث ینطبق على آل الشیخ.

على هذا و بعد فترة واجهت التیارات الوهابیة الأخرى فی السعودیة تناقضات بین سلوك آل سعود و معتقدات ابن عبد الوهاب و لم تتمكن من تحمل هذا الأمر، و هكذا تكونت معارضة شدیدة فی قضیة الوهابیة مع آل سعود، إذ یمكن الإشارة إلى ابرز المعارضین، و جماعة إخوان التوحید و أفكارهم إذ قاموا بالهیمنة على مكة.

 

تأثیر فكر سید قطب الجهادی فی المملكة العربیة السعودیة

قدم سید قطب وفقا لأسسه الخاصة مفهوم "السیادة" الذی یعتبر أهم ركن فی التوحید و بتقسیمه العالم إلى دار الإسلام و دار الحرب، و رسم إطار دار الإسلام الوحیدة.

انه كان یرى: ان الحرب مع الجبابرة و الظالمین تعتبر من الأهداف الجوهریة للأنبیاء، التی أصبحت فی خبر كان و یتم التركیز على العبادة الفردیة.

بعدما توفى سید قطب، تم طرد محمد قطب من مصر. و كانت تخاف كافة الدول العربیة من توسیع نطاق فكر سید قطب و نفوذه فی بلدهم، و منعوا دخوله إلى بلدهم؛ لكن وجهت المملكة العربیة التی كانت تنافس جمال عبد الناصر الرئیس المصری آنذاك على قیادة العالم العربی، الدعوة إلیه للتواجد على أراضیها، لكنها لم تكن تعرف بان احد أكثر الأراضی استعدادا لنمو و نشر أفكار سید قطب هی المملكة العربیة السعودیة؛ ذلك لان آل سعود فی هذا البلد، یحكمون كالطواغیت و تربطهم علاقات وطیدة مع الأعداء للإسلام و الكفار و هم أمریكا و بریطانیا و إسرائیل.

 

مع ان بعض العلماء الملكیین فی السعودیة، من أمثال ربیع المدخلی عارضوا تواجده فی المملكة، إلا انه هاجر إلى السعودیة. أثارت بنیة السعودیة الدینیة و السیاسیة، دهشة محمد قطب؛ ذلك لان شیوخ الوهابیة كانوا یدعون التوحید بكل ما لدیهم قوة، إلا ان توحیدهم كان یتخلص فی نهی الناس عن الزیارة و التوسل و بناء الأضرحة؛ غیر انهم لم یكونوا لیبدوا أی حساسیة تجاه ممارسات الطاغوت (آل سعود) الشنیعة، بل كانوا یقومون بتبریر أعمالهم السیئة و غیر الإنسانیة، و كانوا یمنعون الناس من توجیه النقد و مسائلة الدولة.

على كل فان إفطار سید قطب و محمد قطب جاءت بمفهوم فی مجال التوحید، إذ عرفت بتوحید القبور و توحید القصور. یذهب محمد قطب و أتباعه بان ما یلتزم به شیوخ الوهابیة فی السعودیة، یتلخص فی توحید القبور، أی محاربة القبور. انهم كانوا یركزون كافة مساعیهم فی مواجهة القبور و تخریبها و نهی الناس عن زیارة القبور. ان السلاطین اتخذوا طریقا غیر إسلامیا، لأنهم كانوا على ثقة بان الوهابیین منشغلون بالقبور. على هذا فان سید قطب و أتباعه، إذ انضم إلیه فیما بعد علماء من الوهابیة، أطلقوا علیهم توحید القبور. انهم یرون بان توحید القصور هو ما یوجد فی دعوة الأنبیاء، أی محاربة أصحاب القبور. فی هذه الأثناء، كان سهم هذه النظریة موجها إلى آل سعود و مشایخ البلاط مباشرة، و أدت إلى تحدی قراءة الوهابیة من التوحید بشكل جدی من جهة و من جهة أخرى أطلق على التیار الثوری الذی تكون فی السعودیة.

و محمد قطب تركت تأثیرا كبیرا على المجتمع السعودی. فبتأثیر من هذه الأفكار، واجه الوهابیون قراءة جدیدة كانت تتناسق مع الفضاء السیاسی و العقائدی لمجتمعهم، إذ كانوا فیما قبل و لسنوات منشغلین بالقراءة التی قدمها محمد بن عبد الوهاب و كانوا یشرفون على القبور و لا یظنون بان هناك مفهوم آخر سوى هذا المفهوم. على هذا، أدار الكثیر من علماء الوهابیة بتأثیر من سید قطب و محمد قطب ظهرهم إلى توحید القبور لمحمد بن عبد الوهاب و أتباعه، و كونوا حركة أخرى عرفت بالسلفیة الحدیثة. ان شخصیات كالمسعری و سلمان العودة و التویجری و آخرین، یعتبرون من الذین جعلوا تعالیم سید قطب و أخیه على رأس اهتمامهم، و رفعوا لواء المعارضة.

فضلا عن أفكار سید قطب و أخیه، فان نشر أفكار معارضة للوهابیة عند محمد الغزالی و محمد سعید رمضان البوطی، ترك تأثیره الكبیر على تقسیم الوهابیة إلى تیارین الملكی و الثوری و هكذا تكونت داخل فكار الوهابیة مجموعة مختلفة من القوى التكفیریة الجهادیة وصولا إلى المعتدلین و حتى العلمانیین.

 

كیفیة مواجهة الوهابیة

على هذا ما یكتسب أهمیة فی مواجهة الوهابیة، هو ان الوهابیة لم تكن مذهبا من مذاهب أهل السنة، بل اتخذ أهل السنة مواقف شدیدة معارضة لمعتقدات الوهابیة. فعند دراسة تیارات الوهابیة، یجب أولا وضع فوارق بین الوهابیة و أهل السنة، و ثانیا، یجب معرفة التیارات داخل الوهابیة نفسها. عندما تمت معرفة التیارات، عندها نعرف كیفیة مواجهة كل منها، فیجب معاملة الجماعات التكفیریة للوهابیة و الوهابیة المكیة، بشكل خاص، و یجب معاملة جماعات الوهابیة الحدیثة المتأثرة من أفكار سید قطب بشكل آخر، و نفس الكلام ینطبق على التعامل مع الجماعات المعتدلة و المنطقیة التی لها حضورها فی یومنا هذا فی جوف تیار الوهابیة.